منكرات زمان هويدي
 |
Date: 2012-01-14 03:00:35 |
 |
الكاتب : محمد مصرى
من العجيب أن يدين الأستاذ فهمي هويدي في مقاله “شيطنة السلفيين” الحملة الإعلامية ضد التيار السلفي، تلك الحملة التي ابتدعت ما يعرف بجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المصرية، وأن يذكر في مقاله نفي حزب النور وحزب الأصالة لوجود صلة بين هذه الجماعة وبين حزبيهما، بل وأن يختم مقاله بقوله “أنه أحمق من يظن أنه يمكن أن يحمل الناس على تغيير سلوكهم بالأمر، وأحمق من يصدق أن بوسعه أن ينجح فى ذلك”، وأن الأحمق الثالث هو “من ينشر مثل هذه الفرقعات والأكاذيب ويروج لها”، ثم نجده يعود في مقاله “منكرات هذا الزمان” ليعتمد وجود هذه الجماعة كحقيقة واقعة بل ويخلط بينها وبين التيار السلفي السياسي متمثلاً في التحالف الإسلامي بقيادة حزب النور.
لذلك دعونا نؤكد أولاً أنه لا صلة بين التحالف الإسلامي وجماعة الأمر بالمعروف المزعومة وهو ما نفاه رئيس حزب النور ومتحدثوه الرسميون، بل وهو الأمر الذي ذهب رئيس حزب الأصالة إلى نفي الحاجة إليه إذ أنه يرى أن كافة المهام المتعلقة بالنظام العام هي من صميم عمل جهاز الشرطة بمختلف تخصصاته وهو ما يطابق ما استشهد به الأستاذ من كلام الشيخ محمود شلتوت من أن “التغيير باليد منوط بالحكام القادرين على التغيير العملى العام وأرباب الأسر فى محيطهم والمربون وسائر الرؤساء الذين ملكهم القانون شيئا من صور التغيير العملى”.
لكن ما يحزن في مقال الأستاذ هو ذكره لبعض الفتاوى التي صدرت عن مرجعيات التيار السلفي في سياق حديثه الذي يأتي من باب الذم لهؤلاء المتدينين الهواة الذين قاموا – بفرض صحة هذه الفرقعة والأكذوبة – بتأسيس هذه الجماعة التي قامت الأحزاب السلفية بنفي صلتها بها كما أسلفنا سابقاً. وربما كان ذلك خطأً غير مقصودٍ منه إلا أن ما ينفي احتمال كونه خطأً هو أن حديثه يأتي في سياق مجموعة من المقالات التي يحاول فيها الطعن في رموز التيار السلفي عن طريق تسفيه مقولاتهم وأشخاصهم لا بالنقد العلمي الذي يرحب العقل به ويشتاق دوماً إليه بل بانطباعه الشخصي عن هذه الرموز ومدى ارتياحه من عدمه لوجودهم في ساحة العمل السياسي.
ولأن الانطباع الشخصي لا يكفي لتسفيه مقولة أو نقضها فإن الأستاذ حاول توظيف مقولات لمرجعيتين علميتين كبيرتين كالشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي للطعن في أطروحات التيار السلفي التي تتجاهل مشاكل الواقع المصري ولا تقدم حلولاً لها بحسب ما يظن، بل والتي يتهمها ضمناً بهدم السلم الاجتماعي وتهديد الوحدة الوطنية.
وإن كنت لا أستطيع أن أجادل فيما استشهد به عن الشيخ الغزالي وأن هناك بالغعل من يحصرون الدين في المنكرات الخاصة أو الصغرى ويتجاهلون كبير المنكرات والعام منها إلا أنه من الصعب قبول إسقاط الأستاذ لكلام الشيخ الغزالي على التيار السلفي وأنه لم يسمع منه “كلاما عن مكافحة الفقر والظلم والبطالة والفساد ونهب ثروة البلد والطوارئ والتعذيب وغير ذلك من صور المعاناة التى تعذب الملايين وتثقل كاهلهم” وأن حديثهم لم يتوقف عن المحظورات كمايوهات البكيني. ذلك لأن مثل هذه المحظورات هي ما قام الإعلام – الذي يبدو أن الأستاذ لم يكن يتابع التيار السلفي إلا من خلاله – بحصر التيار السلفي بأسئلته عن هذه الأمور.
وما يؤكد أن الأستاذ قد وقع في شباك هذه الحملة الإعلامية هو ادعائه بأنه لم يسمع عن برامج الأحزاب السلفية لحل مشاكل المجتمع وأنه لم يكلف نفسه عناء البحث عن برامجها ولو بضغطة زر على متصفح الإنترنت على حاسوبه الشخصي، فلو فعل لكان أولى به مناقشة هذه البرامج ومدى ملائمتها كحلول جريئة وجديدة لمشاكل كلٍ من الدولة والمجتمع، من ذلك على سبيل المثال تغيير طريقة تمويل المزارعين من القروض الربوية إلى أنظمة المشاركة، وإدخال أنظمة المشاركة بين الحكومة والمزارعين في انتاج اللحوم لسد النقص في هذا المجال، ومنها توفير القروض الحسنة ذات الفائدة الصفرية لتأسيس مشاريع ذات جدوى اقتصادية كعلاج للبطالة، وإعفاء مشاريع الإسكان الشعبي من كافة الضرائب والرسوم وطرح وحداتها للبيع بالتقسيط بدون فوائد، والتوسع في صيغ التمويل الإسلامي ومحاربة عمليات خلق النقود بالتدرج الذي يراعي سلامة السوق أثناء عملية التحول للاقتصاد الإسلامي.
أما ما هو غير مقبولٍ منطقاً فهو استشهاد الأستاذ بكلام الشيخ القرضاوي حول عدم إنكار موسى عليه السلام على أخيه هارون تركه لقومه يعبدون العجل خشية تفريقهم وتهديد وحدة صفهم في سياق حديثه عن الموازنات وإدراك المقاصد العليا التي يلوم من وجهة نظره على التيارات السلفية إغفالها حين يرفضون التحالف مع التيارات الليبرالية أو رفضهم لتهنئة النصارى بعيد الميلاد، ذلك لأن هارون حين ترك قومه يعبدون العجل لم يفعل ذلك دون الإنكار عليهم ابتداءاً، فكيف بهم يكادون قتله دون أن يكون قد أنكر عليهم أولاً !؟ فمن الواضح أنه أنكر عليهم فحاول القوم أن يقتلوه هو ومن ينتصرون لرأيه فخشي أن يتفرق القوم وآثر أن ينتظر عودة أخيه موسى معتذراً له بأن قال “إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني” وقوله “خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي”. لذلك فإن موسى لم ينكر على اخيه إغفال النهى عن المنكر لأنه فعل، ولكن الذى لم ينكره عليه هو عدم استطاعته تغيير المنكر ومنعه، ذلك لأن أمر تغيير المنكر رهن بالاستطاعة كما نعلم، وليس أدل على ذلك من فعل موسى بعدها حين لام قومه ولم يقر الواقع المخالف لعلمه باستطاعته تغييره.
لذلك فإن الأستاذ قد أخطأ الاستشهاد بكلام الشيخ القرضاوي الذي لا يستفاد منه إهمال إنكار المنكر خشية شق الصف وتهديد الوحدة الوطنية فما يستفاد من هذا الموقف هو شرعية عدم محاولة تغيير المنكر إذا فقدت الاستطاعة لأن في ذلك ما يشق الصف ويولد منكراً أكبر.
فهل يرى الأستاذ أن في الثبات على الرأي الإسلامي القائل طيلة القرون الماضية بعدم جواز تهنئة النصارى بأعيادهم الدينية ما يهدد الوحدة الوطنية !؟ وهل في هذا الثبات إفتئات على حقوق نصارى مصر الثابتة قانوناً وشرعاً !؟ وهل تم تهديد السلم الاجتماعي بسبب الالتزام بهذا الرأي طيلة القرون الماضية !؟
أما بالنسبة للتحالف مع التيارات الغير إسلامية والتي كنت قد أزلت اللبس فيها في مقالي السابق “هويدي والسلفيون” فإن هذه التحالفات كما ذكر الدكتور ياسر برهامي تظل جائزة طالما استظلت بغطاء شرعي يعظم حرمات الله ولا يسمح بانتهاكها، ولا أظن أن الأستاذ هويدي يخالف هذا الرأي.
وعلى ذلك فكما قال الأستاذ بأنه “لا غضاضة فى السكوت على المنكر إذا ترتب على تغييره منكر أكبر منه، دفعا لأعظم المفسدتين وارتكابا لأخف الضررين” فإنه لا قبول لوجه نقده للتيارات السلفية في هاتين المسألتين، ذلك لأن عدم تهنئة النصارى بعيدهم لا يعقل أن يؤدي إلى ضرر أكبر كحرب أهلية مثلاً يشنونها على المسلمين عقاباً لهم على عدم التهنئة وإلا شنت طوائفهم هذه الحروب على بعضها البعض لذات السبب، ولأن عدم التحالف مع التيارات التي لا تريد تعظيم حرمات الله بل وتدافع عن النظام البنكي الربوي وعن بيع الخمور وأعلنت في تصريحات قياداتها اشمئزازها من المظهر الإسلامي متمثلاً في الحجاب وما إلى ذلك من أمور شغلت بها الرأي العام لتشويه التيار الإسلامي لا يعقل أن يؤدي لعواقب جسيمة على سلامة مصر ووحدة شعبها الوطنية.
لذلك فإننا إذا أردنا الحديث حول “منكرات هذا الزمان” فإنه لا يسعنا تجاهل منكرات مثل الاستخفاف بالمخالف وتسفيهه اكتفاءاً باجتزاء الأدلة وعدم إحاطتها بصورة كاملة، ووصف ما اتفقت عليه الأمة عبر تاريخها بالشذوذ والتطرف والتفخيخ، وتهويل نقاط الخلاف ورفع إحدى وجهات النظر على ضعفها وعدم الإجماع عليها ولا شيوعها إلى مرتبة المسلمات والبديهيات وهي الأمور التي نربأ بمجتمعنا ونخبته أن يسقطوا فيها.
أخر التعليقات